سيد محمد طنطاوي
17
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بعدهم ، فنجزيهم على ذلك - أيضا - ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . كقوله صلَّى اللَّه عليه وسلم من سن في الإسلام سنة حسنة ، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . . والثاني : أن المراد بقوله * ( وآثارَهُمْ ) * أي : آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية . فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد اللَّه قال : خلت البقاع حول المسجد ، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال لهم : « إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى المسجد ؟ قالوا : نعم يا رسول اللَّه ، قد أردنا ذلك ، فقال : يا بنى سلمة ، دياركم تكتب آثاركم ، دياركم تكتب آثاركم » . ثم قال ابن كثير : ولا تنافى بين هذا القول والذي قبله ، بل في القول الثاني تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى ، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب ، فلأن تكتب التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى « 1 » . هذا ، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما قيل - ، لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم قد قال لبنى سلمة ، « دياركم تكتب آثاركم » أي : ألزموا دياركم تكتب آثاركم . . دون إشارة إلى سبب النزول . قال الآلوسي ما ملخصه : والأحاديث التي فيها أن اللَّه - تعالى - أنزل هذه الآية ، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم . معارضة بما في الصحيحين من أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية ، ولم يذكر أنها نزلت فيهم ، وقراءته صلَّى اللَّه عليه وسلم لا تنافى تقدم النزول . أي : أن الآية مكية كبقية السورة « 2 » . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد أثبتت صدق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وبينت الحكمة من رسالته ، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يقرأ على الناس - ليعتبروا ويتعظوا - قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاؤوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال - تعالى - .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 551 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 218 .